نحمل موقفًا، ونستقبل الأسئلة، ونؤمن بالحوار

سجال انتخابي، وجدال دستوري، وبرلمان على مفترق إصلاحات معلّقة

Homeالأخبار والمستجداتسجال انتخابي، وجدال...

يشترك

بين اقتراحين لتعديل قانون الانتخابات، وسجال يطاول مشروع “الانتظام المالي واسترداد الودائع”، يعود مجلس النواب إلى الواجهة بوصفه ساحة اشتباك بين عناوين نبيلة وواقع سياسي وأمني واقتصادي مثقل بالأزمات. من إلزامية الاقتراع تحت طائلة الغرامة، إلى تحويل المحافظات دوائر انتخابية، وصولًا إلى نزاع حول آلية إقرار قانون الفجوة المالية، تتقاطع كل هذه المسارات عند سؤال واحد، هل تُنتج النصوص إصلاحًا فعليًا، أم تُستخدم كواجهة لمعارك النفوذ وتعطيل المؤسسات؟

إلزامية الاقتراع، واجب مقدّس أم عبء إضافي

أعاد اقتراح تعديل المادة الثالثة من قانون الانتخابات رقم 44 لعام 2017 فتح ملف الاقتراع الإلزامي، عبر استبدال منطق الحق بمنطق الواجب، وإضافة غرامة على المتخلّفين عن التصويت بلا عذر مشروع، وتحديد أعذار تشمل المانع القانوني، والمرض أو العجز، والوظيفة العامة، والقوة القاهرة. ويذهب الاقتراح أبعد، عبر تحميل قلم الاقتراع مهمة تنظيم محضر بأسماء المتخلّفين، وإحالته إلى القاضي المنفرد الجزائي وفق الأصول الموجزة.

في المبدأ، يستند الطرح إلى فكرة قديمة، أن الشرعية التمثيلية تُصاب بالوهن حين تُبنى السلطات على نسب مشاركة متواضعة، وأن المشاركة الواسعة تعزّز صحة وصدقية التمثيل. كما يستحضر سوابق لبنانية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين كان الاقتراع إجباريًا لفئات محددة مع غرامات وأعذار مشابهة.

لكن المفارقة أن الاقتراح، وفق القراءة النقدية، يعيد إنتاج الشعار نفسه من دون معالجة العوائق التي تجعل الاقتراع في لبنان فعلًا شاقًا لشرائح واسعة. تجهيز أقلام الاقتراع لذوي الإعاقة ما زال غير مكتمل، الناخب ما زال مقيدًا بمنطقة قيده رغم الهجرات الداخلية وتبدّل أماكن السكن، والضغط السياسي يتجدد عبر المال، والسلاح، والزبائنية، والخطاب التحريضي. ثم جاءت تداعيات الحرب الأخيرة وما نتج عنها من دمار ونزوح، لتضيف عائقًا جديدًا على القدرة الفعلية على الوصول إلى صندوق الاقتراع.

ويبرز هنا الميغاسنتر كحل معروف، لكنه مجمّد بفعل الخلاف السياسي بين الكتل، ما يعني أن إلزامية الاقتراع قد تتحول، بدلًا من تعزيز المشاركة، إلى عبء على من لا يستطيعون، وعقوبة في ظل بنية انتخابية غير عادلة، أو في ظل بيئة لا تؤمّن حرية اختيار متكافئة.

التطبيق، محاكم مثقلة وغرامات بلا أثر

تطرح إلزامية الاقتراع تلقائيًا سؤال التنفيذ. الاقتراح يمنح القاضي المنفرد الجزائي صلاحية النظر بالمخالفات، على غرار تجارب مقارنة، لكن إسقاط هذه التجربة على لبنان يصطدم بعائق عملي واضح، وهو احتمال اكتظاظ المحاكم، في وقت يعاني فيه القضاء أصلًا من أزمات موارد بشرية ومادية.

كما يلفت النص إلى أن فعالية الإلزام تتطلب منظومة تنفيذية متكاملة، تشمل إمكان تقديم الأعذار مسبقًا، وآليات تحد من تضخم الملفات، وتدرجًا في العقوبات، وتقديرًا قضائيًا يسمح بعدم فرض غرامة في ظروف معينة. وفي المقابل، فإن توسيع الإلزام ليشمل المقيمين والمغتربين قد يفرغ العقوبة من أثرها الردعي، بسبب تراكم الملفات وتأخر الأحكام، فتضيع الغاية المعلنة ويتحوّل النص إلى إعلان بلا تطبيق.

وفي خلفية النقاش، يطفو سؤال فلسفي أساسي، هل يملك المواطن حق الامتناع عن الاقتراع كجزء من حرية التعبير السياسي، أم أن الاقتراع وظيفة يمارسها باسم الأمة في إطار نظرية السيادة الوطنية التي تجعل النائب ممثلًا للأمة جمعاء؟ هذا التوتر بين سيادة الأمة وحرية الفرد يبقى بلا إجابة حاسمة، فيما يحذّر النص من أن الإلزام قد يقود إلى أوراق بيضاء، أو أصوات عشوائية، أو إبطال متعمّد، ما يفقده أي جدوى ديمقراطية.

المحافظات كدوائر، من روح الطائف إلى سلعة للمناكفة

بالتوازي مع اقتراح إلزامية الاقتراع، يبرز اقتراح آخر لتعديل قانون الانتخابات، يقوم على اعتماد المحافظات دوائر انتخابية بدل الدوائر الكبرى والصغرى المعتمدة حاليًا. يقدّم أصحاب الاقتراح حججًا تبدو إصلاحية، تبسيط النظام، الحد من التلاعب بالتقسيمات، وتعزيز وضوح الدوائر.

غير أن القراءة النقدية تضع هذا الطرح في سياقه التاريخي والسياسي. فوثيقة الطائف تحدثت عن الانتخابات على أساس المحافظة، لكنها ربطت ذلك بإعادة النظر في التقسيم الإداري، ما يجعل الشعار فضفاضًا في بلد يمكن فيه استحداث محافظات أو تعديل حدودها بقانون. ومع استحداث محافظات ذات طابع طائفي غالب، يفقد توسيع الدائرة مفعوله المفترض في تعزيز التعاون العابر للطوائف، بل قد يؤدي إلى نتائج معاكسة في ظل النظام النسبي المقترن بالصوت التفضيلي.

والأهم، أن النقاش حول المحافظات تحوّل إلى مادة تداول سياسي وطائفي، تُرفع من قبل فريق وتُرفض من قبل آخر، لا بوصفها إصلاحًا تقنيًا، بل كأداة توازنات وإقصاء. وهكذا، يصبح الاقتراح جزءًا من لعبة تحسين الشروط، لا من مشروع إصلاح انتخابي متكامل.

الفجوة المالية، نزاع تفسير أم ذريعة تعطيل

على خط موازٍ، برز جدل دستوري حول مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، بعد إقراره في مجلس الوزراء وإحالته إلى مجلس النواب. محور النزاع يتمحور حول ما إذا كان المشروع يحتاج إلى موافقة ثلثي الوزراء، باعتباره يدخل ضمن المواضيع الأساسية المنصوص عليها في المادة 65 من الدستور، أم أنه يمر بأكثرية عادية.

القراءة القانونية تشير إلى أن المشكلة ليست في غموض النص بحد ذاته، بل في استخدام فوضى التأويل لتعطيل المؤسسات. فمجلس الوزراء تبنّى تفسيرًا يسمح بالإقرار بالأكثرية العادية، ورئيس الجمهورية وقّع مرسوم الإحالة ضمن مهلة دستورية، ما يعكس ممارسة لصلاحياته. ويبقى مجلس النواب ساحة الحسم السياسي، حيث يفترض أن يُناقش المشروع في اللجان ثم في الهيئة العامة، بدل أن يتحول إلى مادة تعطيل مسبق.

إذا جُمعت هذه المسارات الثلاثة، إلزامية الاقتراع، المحافظات كدوائر، وقانون الفجوة المالية، تتضح صورة واحدة، مشاريع تتزيّن بمفردات الإصلاح، لكنها تصطدم بواقع انتخابي غير مهيأ، وميزان قوى يتحكم بمسار التشريع، وبيئة سياسية قادرة على تحويل أي نص إلى أداة نزاع وتعطيل.

ليست أزمة لبنان في نقص الأفكار، بل في غياب الإرادة لبناء منظومة متكاملة تجعل من القانون وسيلة للتغيير، لا مجرد عنوان جميل يُضاف إلى أرشيف الأزمات.

محتوى الموقع متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0

وهاب: وحدة الخليج “حـصـن...

أكد رئيس حزب التوحيد العربي، الوزير السابق وئام وهاب، على المركزية الاستراتيجية لدول الخليج العربي...

وهاب: وحدة الخليج “حـصـن العرب الأخـيـر” أمام انهيار العواصم

أكد رئيس حزب التوحيد العربي، الوزير السابق وئام وهاب، على المركزية الاستراتيجية لدول الخليج العربي في ظل الأزمات الراهنة. وأشار وهاب في تدوينة له إلى...

وئام وهاب بأخطر معطيات: زلزال مفتوح، حرب الأمويين والعباسيين… جنوب سوريا مختلف: لدي معلومات دقيقة!

في حديث إعلامي اتّسم بنبرة تحذيرية، قدّم رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب قراءة سياسية وأمنية لما وصفه بـ«مرحلة الزلزال المفتوح» التي تمرّ بها...

د. هشام الأعور:شمال شرق سوريا بين منطق التفكك وإدارة الفوضى: عودة «داعش» كعرض لا كسبب

لم تعد التطورات المتسارعة في شمال شرق سوريا مجرّد تصعيد أمني عابر، بل باتت تعكس تحوّلًا بنيويًا في معادلة السيطرة والنفوذ، في لحظة إقليمية...

لبنان وطنٌ معلّق بين النار والخبز والسياسة

استيقظ لبنان مجددًا على واقعٍ يعرفه جيدًا: توتر أمني، ضيق معيشي، وسياسة تدور في حلقة مفرغة. كأن الزمن في هذا البلد لا يسير إلى...

وهاب: وحدة الخليج “حـصـن العرب...

أكد رئيس حزب التوحيد العربي، الوزير السابق وئام وهاب، على المركزية الاستراتيجية لدول الخليج العربي في ظل الأزمات الراهنة. وأشار...

وئام وهاب بأخطر معطيات: زلزال...

في حديث إعلامي اتّسم بنبرة تحذيرية، قدّم رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب قراءة سياسية وأمنية لما وصفه بـ«مرحلة...

د. هشام الأعور:شمال شرق سوريا...

لم تعد التطورات المتسارعة في شمال شرق سوريا مجرّد تصعيد أمني عابر، بل باتت تعكس تحوّلًا بنيويًا في معادلة...

لبنان وطنٌ معلّق بين النار...

استيقظ لبنان مجددًا على واقعٍ يعرفه جيدًا: توتر أمني، ضيق معيشي، وسياسة تدور في حلقة مفرغة. كأن الزمن في...

لبنان وطنٌ معلّق بين النار والخبز والسياسة

استيقظ لبنان مجددًا على واقعٍ يعرفه جيدًا: توتر أمني، ضيق معيشي، وسياسة تدور في حلقة مفرغة. كأن الزمن في هذا البلد لا يسير إلى...