د. هشام الأعور
في الذكرى السنوية لتأسيس حزب التوحيد العربي، لا تبدو المناسبة مجرد محطة تنظيمية في حياة حزب سياسي ، بل مناسبة لاستعادة تجربة حاولت منذ انطلاقتها أن تؤسس لمسار مختلف داخل الحياة السياسية في الجبل وعلى مساحة الوطن . فمنذ السادس والعشرين من أيار عام 2006، دخل الحزب المعادلة اللبنانية بوصفه مشروع اعتراض على البنية التقليدية التي حكمت المجتمع والسياسة لعقود، رافعاً شعار التغيير والتحرر من الإقطاع السياسي والطائفي، والسعي إلى بناء فكرة الإنسان بوصفه القيمة العليا في أي مشروع وطني.
جاء تأسيس الحزب على يد الوزير وئام وهاب في لحظة كانت فيها الاصطفافات التقليدية تتحكم بالحياة العامة، فيما كانت الدولة اللبنانية تتراجع تدريجياً أمام سلطة الزعامات والطوائف. ومنذ البدايات، حاول الحزب أن يقدم نفسه كحالة سياسية وفكرية تتجاوز الحسابات الضيقة، عبر خطاب صدامي مع المنظومات التقليدية التي كرّست الوراثة السياسية والاستتباع الاجتماعي وأبقت الإنسان أسيراً للخوف المذهبي والانقسام التاريخي.
ولذلك لم يكن الصراع الذي خاضه الحزب مجرد مواجهة سياسية مع خصومه، بل مع مفهوم كامل يقوم على احتكار القرار وتحويل الطوائف إلى كيانات مغلقة. ومن هنا، جاءت أدبياته الحادة تجاه الإقطاع السياسي في الجبل، باعتبار أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يقوم ما دام الإنسان محكوماً بعلاقات التبعية والزعامة التقليدية، لا بعلاقته بالدولة والقانون والمواطنة.
لكن تجربة حزب التوحيد العربي لم تقتصر على البعد الداخلي اللبناني فقط، بل حملت منذ تأسيسها بعداً قومياً عربياً واضحاً انعكس في مواقف الحزب ورئيسه من قضايا المنطقة. فقد تبنّى الحزب رؤية تقوم على انفتاح لبنان على عمقه العربي، ورفض عزله عن محيطه الطبيعي، انطلاقاً من قناعة بأن لبنان لا يمكن أن يعيش مستقراً خارج معادلة التفاعل العربي والتوازن الإقليمي.
وفي هذا السياق، برز موقف وئام وهاب في الدفاع عن وحدة سوريا باعتبارها ركناً أساسياً من أركان استقرار المشرق العربي، ورفض مشاريع التفتيت والانقسام التي استهدفت الدولة السورية خلال سنوات الحرب. ومن هذا المنطلق، جاء دفاعه عن أهالي السويداء في مواجهة هجمات الجماعات المسلحة، ليس من باب العصبية الضيقة أو الانحياز الفئوي، بل من رؤية تعتبر أن حماية السويداء هي جزء من حماية وحدة الدولة السورية نفسها، كما أن الدفاع عن مختلف المكونات السورية يشكل دفاعاً عن فكرة الدولة الجامعة في مواجهة مشاريع الفوضى والتقسيم.
وقد حاول الحزب في خطابه السياسي الربط بين البعد القومي العربي وبين مفهوم الدولة الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن الحفاظ على وحدة الدول العربية وسيادتها يشكل شرطاً أساسياً لحماية المجتمعات من الانهيار والتفكك. ولذلك، ارتبط خطاب الحزب بمواجهة كل أشكال العدوان الخارجي والتدخلات التي تستهدف سيادة الدول ووحدة أراضيها، سواء في لبنان أو سوريا أو في أي ساحة عربية أخرى.
وفي الداخل اللبناني، بقي الحزب متمسكاً بفكرة الدفاع عن سيادة لبنان ووحدة أراضيه، في مواجهة كل المشاريع التي تستهدف تفكيك الدولة أو إدخال البلاد في مسارات التقسيم والفوضى. فبالنسبة للحزب، لا يمكن الحديث عن إصلاح داخلي حقيقي من دون حماية الكيان الوطني نفسه، ولا عن بناء دولة عادلة من دون الحفاظ على استقلال القرار الوطني ووحدة الأرض اللبنانية.
أما وئام وهاب، فقد شكّل طوال مسيرته حالة سياسية جدلية اختارت المواجهة المباشرة بدل التموضع الرمادي. وبين مؤيد لخطابه ومعارض لأسلوبه، بقي حاضراً كأحد الأصوات التي حاولت كسر السائد السياسي والإعلامي، وربطت بين فكرة التغيير الداخلي وبين الصراع الأوسع على هوية المنطقة ومستقبلها.
وفي الذكرى السنوية لتأسيس حزب التوحيد العربي، تبدو التجربة اليوم أكثر ارتباطاً بالتحولات الكبرى التي يعيشها المشرق العربي، حيث تتقاطع أزمات الدولة مع مشاريع التفتيت والحروب المفتوحة وإعادة رسم التوازنات الإقليمية. وفي خضم هذا المشهد، يعود الحزب إلى التأكيد على شعاراته الأساسية: بناء دولة المواطنة، حماية الكرامة الإنسانية، مواجهة الإقطاع والطائفية، والدفاع عن الهوية العربية والسيادة الوطنية بوصفها ركائز لأي مشروع تحرري حقيقي.



